محمد أبو زهرة
1494
زهرة التفاسير
لكم تلك النتيجة وحماكم من أن تؤثر في مجرى تاريخكم فصرفهم ذلك الصرف ، حتى كأنهم المهزومون وأنتم المنصورون ، وقد أكد سبحانه قدرته بلفظ « إنّ » ، وبذكر لفظ الجلالة الذي يربى المهابة من الخلاق العليم في قلب المؤمن ، وبعموم قدرته سبحانه على كل شئ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ، وقد بين سبحانه عموم إرادته وقدرته فقال : وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي إن ما أصابكم يوم التقى الجمعان في أحد وكلاهما قد أصر على أن يكون الموقف حاسما لمصلحته ، قد كان بإذن اللّه تعالى ، أي بإرادته الأزلية ، وتقديره الحكيم ، وقضائه المحكم ، فما كان بغير إرادته : بل كان على مقتضى حكمته ، ذلك أن اللّه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها والمقدمات بنتائجها ، فمن سلك طريق النصر ينتصر إن خلصت نيته ، واستقامت إرادته ، وتوكل على اللّه تعالى ، ولا يبغى إلا وجهه سبحانه ، وإن طريق النصر أوله انصراف عن المادة لأنها تضعف العزيمة ، ثم تنظيم محكم ووضع لكل شخص في موضعه الذي يحكم القيام به ، ثم طاعة وإصرار وعزيمة على امتثال الخطة المثلى ، ثم ثبات جنان وتصرّف في الشديدة ، ولم تكونوا كذلك في هذه المعركة الطاحنة التي اختبرتم فيها اختبارا شديدا ، وهو سبيل النصر إن انتفعتم به ، فقد شابت نفوس بعضكم المادة وهمت طائفتان أن تفشلا فلم تكن النية المحتسبة . وخالفتم القائد الرشيد ، وأفسدتم النظام المحكم ، وذهب الهلع بنفوس أكثركم إذ اشتدت الشديدة وقوى البلاء . وهنا بحثان لفظيان : أحدهما : أن اللّه تعالى عبر في غزوة أحد عن الموقعة بقوله : « الْتَقَى الْجَمْعانِ وفي ذلك إشارة إلى قوة التجمع في الفريقين ، وذلك يدل على أن كل فريق مصر على القتال ، مريد للنصر فيه ، فهزيمة بدر جمعت المشركين في أحد وجعلت لهم عزيمة مريدة ماضية ، وإيمان المؤمنين جعل في أقويائهم رغبة في النصر أو الاستشهاد .